مقدمة: لماذا أصبح الاقتصاد الدائري محوراً للإنشاءات في الإمارات؟
مع تضاعف الضغوط على الموارد وتزايد التزامات الإمارات بخفض البصمة الكربونية، تحول قطاع البناء من نموذج "خذ-صنع-تخلص" إلى نهج دائري يهدف للاستفادة من النفايات والمواد المستعملة كمدخلات جديدة. تطبيق هذا النموذج لا يعزز الاستدامة البيئية فحسب، بل يفتح فرص تكلفة وجوانب تنافسية للمطورين المحليين.
تدعم السياسة الاتحادية هذا التحول عبر إطار عمل وطني واضح يروج لإعادة الاستخدام وإدارة النفايات والابتكار في المواد منخفضة الانبعاث.
السياسات والبُنى التحتية الداعمة
أُقِرّت سياسة الاقتصاد الدائري الاتحادية (UAE Circular Economy Policy 2021–2031) التي تضع الأولويات لقطاعات البنية الخضراء والنقل والتصنيع والغذاء، وتحدد آليات تشجيع إعادة الاستخدام وإدارة الموارد عبر سلسلة القيمة.
على مستوى البنية التحتية، طورت الجهات المحلية مشاريع قادرة على تحويل النفايات إلى موارد: مثال بارز هو مركز دبي لإدارة النفايات في ورسان (Waste-to-Energy Centre)، الذي بدأ تشغيل مراحل إنتاج الطاقة من النفايات ويزود الشبكة بطاقة متجددة بينما يقلل من الطمر. مثل هذه المنشآت تسهّل تدفّق المواد القابلة للاستخدام مجدداً وتدعم سلاسل إمداد مواد مُعاد تدويرها لقطاع البناء.
نماذج مطورين: من الأقوال إلى التطبيق
أمثلة محلية توضح التطبيق العملي للمواد المعاد تدويرها في مشاريع كبرى:
- Aldar Properties: تُظهر تقارير الشركة والتقارير السنوية تبنّيها ممارسات دائرية قوية، بما في ذلك نسب عالية من إعادة تدوير مخلفات البناء والتصميم لاستهلاك مواد منخفضة البصمة الكربونية في مشاريعها. Aldar أعلنت نسباً مرتفعة لإعادة تدوير نفايات الإنشاءات ودمج محتوى خرسانة منخفضة الانبعاث في مشاريعها.
- Masdar City: نموذج أبوظبي للمدينة المستدامة الذي يستخدم ألومنيوماً معاد تدويره، صلب معاد تصنيعه، وخرسانة منخفضة الكربون، إضافةً إلى مصنع لإعادة تدوير مواد البناء في الموقع. Masdar توثق تحويل جزء كبير من مخلفات البناء إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام داخل مشروعها.
- Majid Al Futtaim (Tilal Al Ghaf ومشاريع أخرى): سياسة البناء المستدام لدى المجموعة تنص على استخدام بدائل للأسمنت التقليدي مثل GGBS، وتطبيق إعادة توجيه مخلفات البناء لاستخدامها كركام معاد، والالتزام بنسب صريحة لتقليل المخلفات.
هذه الأمثلة توضح أن المطورين الرئيسيين يجمعون بين سياسات حوكمة الاستدامة وتعديل سلسلة التوريد لضمان توفر مواد مُعاد تدويرها وذات أداء ميكانيكي ومواصفات مطابقة للمعايير.
التقنيات والمواد الشائعة في السوق الإماراتي
أهم المواد والتقنيات التي تدعم الاقتصاد الدائري في قطاع البناء بالإمارات تشمل:
- الخرسانة منخفضة الكربون: استبدال جزئي للأسمنت التقليدي بمواد مثل GGBS أو طين الرماد (fly ash) لتقليل انبعاثات الكربون وتحسين محتوى المواد المعاد تدويرها.
- الركام المعاد إنتاجه (recycled aggregates): تكسير مخلفات الخرسانة وإعادة استخدامها كركام للطبقات غير الحاملة أو حتى في خلائط خرسانية مُعدّلة.
- الصلب المعاد تدويره وحديد التسليح منخفض الكربون: شراكات محلية بين مطورين ومصانع صلب تسعى لإدخال حديد مُنتَج من خردة مع تقنيات تصنيف أبعد للانبعاثات.
- المواد البوليمرية المعاد تدويرها والزجاج المعاد تدويره في الحشوات والعزل وواجهات المباني.
كما يستثمر القطاع في مرافق معالجة لمخلفات البناء (Material Recycling Centres) وتقنيات اختبار أداء المواد لضمان مطابقتها لمواصفات التصميم والسلامة.
عوائق وفرص: ماذا يحتاج السوق لتسريع الانتقال؟
العوائق الرئيسية تشمل نقص سلاسل توريد مستقرة لمواد معاد تدويرها عالية الجودة، تباين المواصفات الفنية عبر الموردين، وحاجة المقاولين ومطوري المشاريع إلى حوافز ومقاييس قياس أداء واضحة. في المقابل، توجد فرص اقتصادية وتقنية مهمة:
- خفض البصمة الكربونية لمشاريع التطوير — ما يسهّل الوصول إلى تمويل أخضر وشهادات استدامة.
- خفض تكاليف الطمر والتخلص من النفايات عبر تحويلها إلى مدخلات قيمة.
- ابتكار منتجات محلية (مثل خرسانة من مخلفات زجاجية أو معادن معاد تدويرها) وخلق صناعات تكميلية.
التوصية العملية للمطورين: وضع معيار شراء مستدام يفضّل مواد ذات بيان بيئي (EPD)، عقد شراكات مع مرافق إعادة التدوير المحلية، وإدماج اختبارات الجودة واعتماد مواصفات معيارية موحّدة للمواد المعاد تدويرها.
خلاصة واستشراف المستقبل
التحول إلى اقتصاد دائري في الإنشاءات بالإمارات ليس مجرد شعار سياساتي—هو واقع تطبيق تترجمه مشاريع مثل Masdar وممارسات مجموعات كبرى مثل Aldar وMajid Al Futtaim. استمرار نجاح هذا التحول يتطلّب تنسيقاً بين صانعي السياسات، منشآت إعادة التدوير، ومطوّري المشاريع لِتوفير مواد ذات جودة وتكلفة تنافسية، إلى جانب حوافز مالية وتنظيمية لتعزيز الطلب.
من المتوقع أن يتزايد اعتماد المواد المعاد تدويرها خلال السنوات المقبلة مع نمو البنى التحتية لإدارة النفايات وتطوّر معايير البناء منخفضة الكربون، ما يجعل الإمارات سوقاً مرشّحاً لأن يصبح نموذجاً إقليمياً في البناء الدائري.